ابن العربي

932

أحكام القرآن

وعنه جوابان : أحدهما - أن قوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ جماعة ، ولكل واحد كنز ، فمرجع قوله : « ها » إلى جماعة الكنوز . الثاني - أن ذكر أحد الضميرين يكفى عن الثاني ، كما قال تعالى « 1 » : وَإِذا رَأَوْا تِجارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْها . وهما شيئان ، كما قال الشاعر « 2 » : إنّ شرخ الشباب والشعر الأس * ود ما لم يعاص كان جنونا وطريق الكلام الظاهر أن يقال ما لم يعاصيا ، ولكنه اكتفى بذكر أحدهما عن الآخر ، لدلالة الكلام عليه . المسألة التاسعة - إنما وهم من زعم أنّ المراد بالآية أهل الكتاب ، لأجل قوله في أول الآية : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ، يعنى من أهل الكتاب ، فرجع قوله : وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ إليهم . وهذا لا يصحّ من وجهين : أحدهما - أنّ أول الكلام وخصوصه لا يؤثّر في آخر الكلام وعمومه ، لا سيما إذا كان مستقلا [ بنفسه ] « 3 » . الثاني - أن هذا إنما كان يظهر لو قال : ويكنزون الذهب والفضة . أما وقد قال : والذين يكنزون الذهب والفضة ، فقد استأنف معنى آخر يبيّن أنه عطف جملة على جملة ، لا وصفا لجملة على وصف لها . ويعضد ذلك الحديث الصحيح ، رواه البخاري وغيره أن الأحنف بن قيس قال : جلست إلى ملأ من قريش ، فجاء رجل أخشن الشعر والثياب والهيئة ، حتى قام فسلّم عليهم ، ثم قال : بشر الكانزين برضف « 4 » يحمى عليه في نار جهنم ، يوضع على حلمة ثدي أحدهم حتى يخرج من نغض « 5 » كتفه ، ويوضع على نغض كتفه حتى يخرج من حلمة ثديه يتزلزل « 6 » .

--> ( 1 ) سورة الجمعة ، آية 11 . ( 2 ) هو حسان بن ثابت كما في القرطبي ، وديوانه : 413 ( 3 ) ليس في ل . ( 4 ) الرضف : الحجارة المحماة . ( 5 ) النغض - بالضم والفتح : أعلى الكتف . وقيل هو العظم الرقيق الذي على طرفه . ( 6 ) في القرطبي ( 8 - 128 ) : فيتزلزل ، والحديث في مسلم : 689 .